السيد محمد حسين الطهراني

4

معرفة المعاد

وأمّا هذه الآجال المعهودة ، فليست إلّا ظاهراً لذلك الأجل المسمّى ، ومقاماً متنزّلًا عنه . وحقيقة الأمر أنّ الأجل أمر واقعيّ ذو جهتين ، تقابل أولاهما عالم الطبع والفساد والكثرة ، وتقابل الثانية عالم التجرّد والثبات والوحدة . وتدعى الجهة الأولى أجلًا ، بينما تدعى الثانية أجلًا مسمّى . وهاتان الآيتان في صدد بيان أنّ السماوات والأرض وما بينهما قد خُلقت بالحقّ وأجل مسمّى . أمّا « الباء » المتعلّقة ب - « الحقّ » و « أجل مسمّي » فهي إمّا للسببيّة أو للملابسة . أي أنّنا خلقناهما بسبب الحقّ والأجل المسمّى ؛ أو ملابسةً للحقّ والأجل المسمّى . والأجل المسمّى هو حياة الخلود عند الله تعالى ؛ حياة الفوز والظفر والسعادة ؛ وهي حياة تامّة لا يعتريها زوال ولا فناء ، ولا يخالطها فساد ولا تلف ؛ حياة لا تماثل الحياة الدنيويّة المشوبة بالآلام والغصص والمصائب ، بل تُجسّد - وباستمرار - النور والتجرّد والحقيقة . وليست هذه الحياة الدنيا إلّا درجة ضعيفة ومرتبة متدنيّة من تلك الحياة ، لأنّ تلك الحقيقة تتنزّل بالتقيّد والتعيّن بلباس القيد والكثرة وبالتأطّر بحدود وقيود هذا العالم - عالم الطبع - فتتجلّى في رداء تلك الحدود والتعيّنات . والآية الشريفة : وَإن مِّن شَيْءٍ إلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ « 1 » ناظرة إلى هذا المعنى . وباعتبار أنّ مصدر حياة جميع الموجودات إنّما يتمثّل في خزائن الله التي لا تنفد وأنّ خلق تلك الموجودات هو نزولها من تلك الخزائن والمصادر المطلقة الواسعة المجرّدة وغير المقدّرة بِقَدَر ، وأنّ تلك المصادر

--> ( 1 ) - الآية 21 ، من السورة 15 : الحجر .